الصالحي الشامي
22
سبل الهدى والرشاد
جسيما ثقليلا - أتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه ، بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال : يا أبا علي استجمر : فإنما أنت من النساء ، فقال : قبحك الله وقبح ما جئت به ، ثم تجهز وخرج مع الناس ، وسبب تثبطه ما سيأتي عند ذكر مقتله . ذكر تبدى إبليس لقريش في صورة سراقة بن مالك قال ابن إسحاق وغيره : ولما فرغوا من جهازهم ، وأجمعوا المسير ، وخرجوا على الصعب والذلول ، معهم القيان والدفوف ، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الدماء ، فقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا ، وكان ذلك يثنيهم فتبدى لهم عدو الله إبليس لعنه الله في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ، وكان من أشراف بني كنانة فقال : أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه . فخرجوا سراعا في خمسين وتسعمائة مقاتل ، وقيل : في ألف ، ولم يتخلف عنهم من أشرافهم أحد سوى أبي لهب ، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب ، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يخرج معهم منهم أحد ، خرجوا من ديارهم كما قال الله تبارك وتعالى : ( بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ) [ الأنفال 47 ] . قال ابن عقبة وابن عائد : وأقبل المشركون ، ومعهم إبليس يعدهم أن بني كنانة وراءه قد أقبلوا لنصرهم ، وأنه ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) [ الأنفال 48 ] ، فلم يزل حتى أوردهم ، ثم سلمهم . وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه من أبيات : سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا دلاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار وقال : إني لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزي والعار ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا قال في الامتاع : فلما نزلوا بمر الظهران نحر أبو جهل جزورا فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها ، ورأى ضمضم بن عمرو أن وادي مكة يسيل دما من أسفله وأعلاه ، وكان مع المشركين مائتا فرس يقودونها وست مائة درع ، ومعهم القيان يضر بن بالدفوف ، ونحر لهم أول يوم خرجوا من مكة أبو جهل عشر جزائر ، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا ، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا - وأسلم بعد ذلك - ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر ، فظلوا فيها وأقاموا بها ، فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا ، ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم منبه ونبيه ابنا الحجاج عشرا ، ثم أكلوا من أزوادهم فلما وصلوا إلى الحجفة عشاء نزلوا هناك .